فصل: مسألة شرب أبوال الإبل:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة الديكة المذبوحة من أقفيتها:

ومن سماع أشهب وابن نافع مسألة قال سحنون: سمعت أشهب وعبد الله بن نافع يقولان: سمعنا المسور بن عبد المالك المخزومي يحدث مالكا أن أبا الحويرث حدثه أن محمد بن جبير بن مطعم أمر بثلاثة ديكة له أن تسمن حتى إذا امتلأن شحما أمر غلاما له أن يذبحها فذبحها من أقفيتها فلما نظر إليها محمد بن جبير بن مطعم، قال: لأظنه قد حرمها، فقلت له: كلا، فخرجت معه إلى سعيد بن المسيب حتى سأله عن أكلها، فقال له ابن المسيب: لا تؤكل فليس ذلك بذكاة، كل أنسية ذبحت من غير مذبحها فلا تؤكل، ولكن لو كانت وحشية أكلت، فقيل لمالك: أترى ما قال سعيد بن المسيب أن هذه الديكة المذبوحة من أقفيتها لا تؤكل؟ قال: نعم، إذا ذبحت من أقفيتها فلا تؤكل، وأرى أن تطرح، وأما لو ذهب يذبح فأخطأ فانحرف شيئا لم أر بأكلها بأسا.
قال محمد بن رشد: هذا مثل ما في المدونة وغيرها أن من ذبح من القفا لم تؤكل ذبيحته، والمعنى في ذلك بين؛ لأن من ذبح من القفا فقد قطع النخاع وهو المخ الذي في عظم الرقبة قبل أن يصل إلى موضع الذبح، فيكون بفعله قد قتل البهيمة بقطعه نخاعها إذ هو مقتل من مقاتلها قبل أن يذبحها في موضع ذكاتها، وقول سعيد بن المسيب ولو كانت وحشية أكلت فذلك كلام فيه نظر؛ لأن الوحشية إذا ملكت لا تذكى إلا بما تذكى به الأنسية من الذكاة في موضع الذكاة على وجه الذكاة، فمراده والله أعلم إذا فعل ذلك لها في حال الاصطياد لها وهو غير قادر عليها وبالله تعالى التوفيق.

.مسألة ذبح ذبيحة على سفينة فجرت في الماء فماتت فيه:

ومن كتاب الجنائز والصيد:
مسألة وسئل عمن ذبح ذبيحة على سفينة فجرت في الماء فماتت فيه، فقال: لا يأكلها إلا إن كان قد تم ذبحه، فقيل له: إنا نخاف أن يكون قتلها الغم في الماء وإن كان قد تم ذبحه فلا بأس بها.
قال محمد بن رشد: هذا نص ما في المدونة إذا أكمل ذبحها قبل أن تسقط في الماء فأكلها جائز، وهو مما لا اختلاف فيه، بخلاف إذا ذبحها في جوف الماء، وقد مضى القول على هذا في أول رسم من سماع ابن القاسم وبالله التوفيق.

.مسألة ذبيحة النصراني:

قيل لمالك: فالرعاء يكونون عندنا نصارى فيأتي أحدهم بالشاة قد ذبحها، فقال: أرجو ألا يكون به بأس، قال: وقال لي ابن أبي حازم في ذلك ما كان في يدك ملكه فلا تولهم ذبحه، وأما ما ذبحوا هم لأنفسهم فكله، وما وليتهم ذبحه فلا بأس بأكله وبئس ما صنعت.
قال محمد بن رشد: قد تقدمت هذه المسألة في رسم حلف بطلاق امرأته من سماع ابن القاسم، ومضت أيضا والقول عليها في سماع أشهب من كتاب الضحايا فلا معنى لإعادته.

.مسألة النفخ في اللحم عند السلخ:

وسمعت مالكا يقول: أرى أن يؤدب الجزارون الذين ينفخون اللحم وأن يمنعوا من ذلك.
قال محمد بن رشد: يريد النفخ الذي يفعلون بعد السلخ ليظهر اللحم سمينا، وأما النفخ عند السلخ فلا بأس به لأن فيه منفعة إذ لا يتأتى السلخ إلا به ففيه صلاح، وأما الذي يفعلون بعد السلخ فيكره لوجهين، أحدهما: إن ذلك غش إذ يوهم الجاهل بفعلهم فيظن أن ذلك الامتلاء من سمانة اللحم. والثاني: إن ذلك يغير طعم اللحم، وكذلك قال مالك في سماع ابن القاسم من كتاب السلطان وبالله التوفيق.

.مسألة كيفية ذبح الحمام والطير:

وسئل مالك عمن يذبح الحمام والطير هكذا وأشار بيده وهو قائم يذبحها، قال: ما أراه بمستقيم هذا على وجه الاستخفاف، فقيل له: إن الصائد ربما فعل ذلك، فقال: إلا أنه غير فقيه ولا مفلح، فقيل له: فيؤكل، قال: نعم، إذا أحسن ذبحنا.
قال محمد بن رشد: وهذا كما قال مالك إن ذلك لا يفعله إلا المتهاون بالذبح المستخف بما يلزمه من الاستثبات في الذكاة والتمكن فيها وأخلق بفاعل ذلك ألا يحافظ على ما يلزمه من التسمية واستقبال القبلة وفاعل ذلك غير فقيه ولا مفلح كما قال مالك.

.مسألة حد الشفرة قبل الذبح:

وقال مالك: مر عمر بن الخطاب على رجل قد أضجع شاة وهو يحد شفرته فعلاه بالدرة، فقال له: علام تعذب الروح؟ هلا حددت شفرتك قبل.
قال محمد بن رشد: هذا مروي عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ روي عنه من رواية ابن مسعود أنه مر برجل قد صرع شاة وجعل يديها من وراء قرنها ثم جعل رجله على عنقها، فقال: هلم الشفرة، فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فهلا تركتها قائمة ولم تعذبها حتى تحضر شفرتك ثم تضعها وضعا لينا رفيقا ثم تذبحها»، وروي عنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه أمر بحد الشفار وأن يوارى بها عن البهائم، وقال: «إذا ذبح أحدكم فليجهز»، هذا من سنة الذبح ومما ينبغي للذابح أن يتوخاه، وقد روي عن ربيعة أنه كره أن يذبح الشاة وأخرى تنظر، وخفف ذلك مالك واحتج بالبدن التي تنحر مصفوفة بعضها إلى جنب بعض واختار ابن حبيب قول ربيعة، ورأى صف البدن عند نحرها من سنتها، قال: وليس ذلك في الذبائح.

.مسألة سرق شاة فذبحها أتؤكل:

وسئل مالك عمن سرق شاة فذبحها أتؤكل؟ قال: نعم تؤكل، ولا يشك في هذا أحد يعرف الذبح، وإنما حرم عليه السرقة.
قال محمد بن رشد: هذا أمر متفق عليه في المذهب ولا خلاف فيه أيضا بين فقهاء الأمصار، وقد روي عن عكرمة أنه قال: لا تؤكل ذبيحة السارق والغاصب، وهو قول إسحاق وداود بن علي، والحجة عليهم لفقهاء الأمصار ما روي «أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال في الشاة التي أخبر لما ألاك منها أكلة: إنها ذبحت بغير إذن صاحبها أطعموها الأسرى» وإذ لو لم تكن ذكية لما أطعمها رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحدا فأخبرت المرأة التي كانت دعت رسول الله إلى الطعام أنها شاة بعث به إليه أهل أخيها بغير إذنه، فمن دخل داره سارق فذبح له شاة ووجدها مذبوحة فإن كان بلدا فيه مجوس مع المسلمين وأهل الكتاب فلا يأكلها مخافة أن يكون ذبحها مجوسي، وإن كان ليس فيه إلا المسلمون وأهل الكتاب فلا بأس بأكلها، قال ذلك ابن حبيب في الواضحة، وليس ترك أكلها إذا كان في البلد مجوس بلازم في وجه الحكم، وإنما هو على سبيل التورع على ما مضى عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود في أول رسم من سماع ابن القاسم، ويؤيد هذا ما روي عن ناس من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنهم «سألوا رسول الله، فقالوا: أغارب يأتوننا بحيتان مشروحة والجبن والسمن ما ندري ما كنه إسلامهم؟ قال: انظروا ما حرم الله عليكم فأمسكوا عنه، وما سكت عنه فإنه عفا لكم عنه، وما كان ربك نسيا، واذكروا اسم الله عز وجل»، وروي عن ابن عباس أنه قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرا فأنزل الله عز وجل نبيه وأنزل كتابه وأحل له حلاله وحرم حرامه فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، ثم تلا: {لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ} [الأنعام: 145]، الآية.
وإلى هذا ذهب ابن بكير، فقال: لا حرام إلا ما ذكر تحريمه في هذه الآية، وما سواه من الخيل والبغال والحمير وذوي الناب من السباع مكروه وليس بحرام، إذ لا جائز أن تنسخ السنة القرآن، وقد اختلف الذين ذهبوا إلى تحريم ما عدا ما ذكر تحريمه في الآية من الدواب أو ذوي الناب من السباع أو ذوي المخلب من الطير بسنة أو إجماع أو دليل خطاب، كاستدلال مالك على أن الدواب لا تؤكل بأن الله إنما ذكرها للركوب والزينة في تأويل الآية على أقوال، أحدها: أن ذلك نسخ لبعض ما اقتضت الآية من التحليل، قال بذلك من ذهب إلى جواز نسخ القرآن بالسنة. والثاني: أن ذلك ليس بنسخ لأن ما عدا ما ذكر تحريمه فيها عموم يحتمل الخصوص، فيخصص بما يخصص به العموم من أخبار الآحاد والقياس والإجماع. والثالث: ما ذهب إليه الشافعي من أن الآية لا تتناول بظاهرها تحليل جميع ما عدا ما ذكر تحريمه فيها؛ لأن معناها عنده قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه مما يأكلونه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير، وقد كانوا لا يأكلون أشياء تقذرا، منها السباع التي تعدو وتفترس والعقبان والرخم والنسور والخنافيس وشبهها، قال: فلم تدل الآية على تحليل شيء من ذلك، ودخلت هذه الأشياء في معنى الخبائث التي ذكر الله، وقوله: وإنما حرمت عليه السرقة استدلال صحيح. يقول: لو كان السارق لا تؤكل ذبيحته إذا ذبح متاع غيره لوجب أن لا تؤكل ذبيحته إذا ذبح متاع نفسه، كالمحرم لما لم تؤكل ذبيحته إذا ذبح صيد غيره لم تؤكل ذبيحته إذا ذبح صيد نفسه.

.مسألة ذبيحة الخصي:

وسئل عن ذبيحة الخصي، فقال: أحب إلي ألا يذبح، فإن ذبح أكلت. قيل له: فذبيحة العبد؟ قال: هو يؤم الناس في النافلة وفي السفر، فأما صلاة الجماعات في المساجد فلا. قيل: أرأيت إن أم خصي قوما أيعيدون الصلاة حين علموا؟ قال: لا.
قال محمد بن رشد: كره ذبح الخصي ولم يكره ذبح العبد وكلاهما لا يكون إماما راتبا ولا تجب الإعادة على من صلى خلفه، فالفرق بينهما أن الخصاء أمر ثابت فنحا به ناحية التأنيث، والعبودية ليست بثابتة قد يعتق العبد، وإنما لم يجز أن يكون إماما راتبا من أجل حق السيد في أن يصرفه في حوائجه ويمنعه من ملازمة المسجد للصلاة بالناس فيه، ولا يذبح الصبي ضحيته، والأظهر أن لا تذبح المرأة ضحيتها إلا من ضرورة بدليل ما جاءني أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نحر عن أزواجه في الحج ولم يرو أنهن نحرن بأنفسهن، وتجوز ذبيحة الجنب والحائض والأغلف والمسخوط في دينه وإن كان الأولى في ذلك الكمال في الطهارة والدين، فقد كان الناس يبتغون لذبائحهم أهل الفضل والإصابة على ما مضى في رسم اغتسل من سماع ابن القاسم، فستة لا تجوز ذبائحهم، وستة تكره ذبائحهم، وستة يختلف في جواز ذبائحهم، فأما الذين لا تجوز ذبائحهم فالصغير الذي لا يعقل والمجنون في حال جنونه، والسكران الذي لا يعقل، والمجوسي، والمرتد، والزنديق وأما الذين تكره ذبائحهم فالصغير الذي يعقل والمرأة والخنثى والخصي والأغلف والفاسق، وأما الذين يختلف في جواز ذبائحهم فتارك الصلاة والسكران الذي يخطئ ويصيب والبدعي الذي يختلف في تكفيره، والعربي النصراني والنصراني يذبح للمسلم بأمره، والعجمي يجيب إلى الإسلام قبل البلوغ، هذا كله على مذهب مالك وفي خارجه ما يخرج عن هذا التقسيم، من ذلك ما روي عن سعيد بن المسيب أن المجوسي تؤكل ذبيحته، وعن ابن عباس الأغلف لا تؤكل ذبيحته، وقد ذكرنا ذلك في أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة.

.مسألة ينخع الرجل ذبيحته بشفرة أو بغيرها:

وقال: سمعت أهل العلم يكرهون أن ينخع الرجل ذبيحته بشفرة أو بغيرها.
قال محمد بن رشد: يريد قبل أن تزهق نفسها، وذلك مثل ما في المدونة وغيرها ولا اختلاف في كراهية ذلك.

.مسألة الذبيحة يخرج من بطنها جنين ميت:

وسئل مالك عن الذبيحة يخرج من بطنها جنين ميت أيؤكل؟
قال: نعم إذا كان قد نبت شعره، قال: أيمر على حلقه السكين؟ قال: نعم حتى يخرج الدم.
قال محمد بن رشد: هذا ما لا اختلاف فيه في المذهب لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ذكاة الجنين في ذكاة أمه»، وقد مضى القول على ذلك في آخر رسم أبي زيد من كتاب الضحايا فلا معنى لإعادته.

.مسألة المنخنقة أتذبح وهي في خناقها أم حتى تطلق من خناقها:

وسئل مالك عن المنخنقة أتذبح وهي في خناقها أم حتى تطلق من خناقها؟ قال: لا والله، لكن تذبح إذا كانت أهلا للذبح، قيل: وما حد ذلك؟ قال: تكون تتنفس وعينها تطرف.
قال محمد بن رشد: يريد والله لا ينبغي أن تذبح وهي في خناقها ولكن تذبح بعد أن تطلق من خناقها إذا كانت أهلا للذبح وذلك أن تكون تتنفس وعينها تطرف، يريد وإن لم تكن مرجوة الحياة على قوله بعد هذا وما مضى له في رسم كتب عليه ذكر حق من سماع ابن القاسم خلاف ما مضى في سماع أشهب من كتاب الضحايا وقد مضى القول هناك على وجه الاختلاف، ولم يجب في هذه الرواية هل تؤكل إن ذبح في خناقها مع أن تكون تتنفس وعينها تطرف على قياس قوله إنها تؤكل إذا ذكيت بعد أن تطلق من خناقها، ويتخرج ذلك على قولين أحدهما: كالذي يرمي الصيد بسهم مسموم فينفذ مقاتله أو يذبح في جوف الماء حسبما مضى القول في أول سماع ابن القاسم في رسم شك في طوافه منه.

.مسألة شرب أبوال الإبل:

وسئل مالك أيشرب أبوال الإبل في الدواء؟ قال: لا بأس بذلك، قال: لا بأس بشرب أبوال الأنعام والإبل والبقر والغنم، قيل له: فأبوال الأتن؛ قال: لا خير فيه، قيل له: فأبوال الناس، قال: لا خير فيه، قيل له: فالشاة تحلب فتبول في اللبن، قال: أرجو ألا يكون به بأس.
قال محمد بن رشد: هذا كما قال إنه لا بأس بشرب أبوال الأنعام في الدواء، والدليل على ذلك ما جاء في «الرهط العرنيين الذين قدموا على النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ فاستوخموا المدينة فأمرهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يخرجوا في لقاحه فيشربوا من أبوالها وألبانها، ففعلوا حتى إذا صحوا وسمنوا قتلوا الراعي واستاقوا الدود»، الحديث، وقال مالك في المشهور عنه: أبوال سائر ما يؤكل لحمه في الطهارة على أبوال الأنعام، وروى أشهب عنه في جامع المستخرجة أنه فرق بين أبوال الأنعام وبين أبوال سائر ما يؤكل لحمه من الحيوان، وذهب ابن لبابة إلى أنه إنما فرق بين ذلك في إجازة التداوي بشربها لا في طهارتها على ما ذكرناه في آخر رسم شك في طوافه من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة، وقاس أبوال ما لا يؤكل لحمه على أبوال بني آدم في النجاسة، فأبوال الأتن نجسة إذ لا يؤكل لحومها فلا يجوز التداوي بشربها، وما اختلف في جواز أكله اختلف في نجاسة بوله حملا على ذلك، وذهب أبو حنيفة إلى أن الأبوال تابعة للدماء في النجاسة لا للحوم، فرأى أبوال الأنعام وغيرها نجسة فأبعد في القياس وخالف الأثر، وأما الألبان فهي تابعة للحوم في الطهارة فما كان من الحيوان لا يؤكل لحمه سوى بني آدم المخصوصة لحومهم بالطهارة فألبانهم نجسة، فألبان الأتن نجسة، وقد قال يحيى بن يحيى في سماعه من كتاب الوضوء أن من أصاب ثوبه لبن حمارة فصلى به يعيد في الوقت كمن صلى بثوب نجس، إلا أنه جوز التداوي بها مراعاة للاختلاف في جواز أكل لحومها حكى ذلك ابن حبيب عن مالك وسعيد بن المسيب والقاسم وعطاء، وروي إباحة التداوي بها عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ وإلى إجازة ذلك ذهب ابن المواز أيضا.

.مسألة تذكية الشاة يعدو عليها الذئب فتدرك وهي تركض:

وسئل مالك عن الشاة يعدو عليها الذئب فتدرك وهي تركض، قال: أترى أن تذكى؟ قال: أما إن بعج بطنها أو أصاب مذبحها فلا أرى ذلك، ولا أرى أن تؤكل إذا كانت في سبيل المذبوحة فإن الشاة تذبح وهي تركض، فقيل له: أرأيت إذا كان لو خيط بطنها عاشت؟ فقال: لو كان هذا يكون كان، ولكن لا أظنه يكون، فقيل له: فإذا أصابها ما لا تعيش منه لم تذك؟ قال: نعم إذا كان جوفها أو مذبحها.
قال محمد بن رشد: قوله إنها لا تذكى ولا تؤكل إذا كانت في سبيل المذبوحة يريد بقوله إذا كانت في سبيل المذبوحة إذا يئس من حياتها وإن لم يصب مقتلها؛ لأن بعج البطن ليس بمقتل عند جميعهم إذا سلم المصير ولم ينثر الحشوة، فقول مالك هذا مثل قوله بعد هذا ومثل ما في سماع أشهب أيضا من كتاب الضحايا خلاف مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك في المدونة وفي رسم كتب عليه ذكر حق من سماع ابن القاسم من هذا الكتاب، وفي قوله في آخر هذه المسألة إذا كان جوفها أو مذبحها إشكال، والمعنى في ذلك أنه رأى أن إصابته إياها إذا كان في جوفها أو مذبحها يصح أن يتحقق به أنها لا تعيش منه وإن لم يبلغ بذلك لها مقتلا، وما سوى الجوف والمذبح لا يصح أن يتحقق به ذلك؛ ففي هذا دليل أنه لو أشكل أمرها هل تعيش أو لا تعيش مما أصابها به لذكيت وأكلت خلاف قول ابن الماجشون وابن عبد الحكم في الواضحة؛ فيتحصل في المنخنقة وأخواتها إذا سلمت مقاتلها ثلاثة أقوال، أحدها: أنها تذكى وتؤكل علم أنها لا تعيش من ذلك أو أشكل أمرها كالمريضة سواء، وهو مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك على القول بأن الاستثناء في الآية متصل، والثاني: أنها لا تؤكل ولا تذكى علم أنها لا تعيش أو أشكل أمرها بخلاف المريضة، وهو قول ابن الماجشون وابن عبد الحكم على القول بأن الاستثناء في الآية منفصل، والثالث: الفرق بين أن يعلم أنها لا تعيش أو يشكل أمرها وهو الذي يقوم من هذه الرواية، وهو أيضا على القول بأن الاستثناء في الآية منفصل لأنه لم يجز التذكية في التي قيس منها بهذه الأسباب وجعلها بخلاف التي يئس منها بالمرض، وحمل التي أشكل أمرها محمل التي رجيت حياتها فأجاز تذكيتها خلاف مذهب ابن الماجشون وابن عبد الحكم في حملهما إياها محمل التي يئس منها وبالله التوفيق.

.مسألة الحيتان تصطاد فيغمس رأسها في الطين لتموت:

وسئل عن الحيتان تصطاد فيغمس رأسها في الطين لتموت فكرهه ولم يره سديدا.
قال محمد بن رشد: هذا نحو قوله بعد هذا في طرح الحوت في النار حيا قبل أن يموت، وهو خلاف ما مضى في رسم سلعة سماها من سماع ابن القاسم، وقد مضى هنالك توجيه القولين فلا معنى لإعادته.

.مسألة حكم العتيرة:

وقال مالك: العتيرة شاة كانت تذبح في رجب يتبررون بها كانت في الجاهلية، وقد كانت في الإسلام ولكن ليس الناس عليها.
قال محمد بن رشد: قول مالك إن العتيرة هي الرجبية الشاة التي كانت تذبح في الجاهلية في رجب على سبيل التبرر، وإنها قد كانت في الإسلام يريد معمولا بها كالضحايا مروي عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، روي عنه قال بعرفة: «يا أيها الناس إن على كل بيت في كل عام أضحاة وعتيرية، وهل تدرون ما العتيرية؟، قال الراوي للحديث مخنف بن سليم: فلا أدري ما كان من ردهم عليه، قال: هي التي يقول الناس الرجبية»، وقوله: ولكن ليس الناس عليها يريد أنها نسخت بما روي عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ من قوله: «لا فرع ولا عتيرة» والفرع هو أنهم كانوا يذبحون في الجاهلية أول ولد تلده الناقة أو الشاة فيأكلون ويطعمون، فقال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه لما سئل عنه: «أن تدعه حتى يكون زخرفا خير لك من أن تنحره فيحق لحمه بوبره فتكفأ إناك منه وتوله ناقتك». يقول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: خير له أن يتركه حتى يشتد ولا يذبحه صغيرا فيختلط لحمه بوبره، فتحزن ناقته وينقطع لبنها بذبح ولدها صغيرا فيكفأ إناه إذا لم يكن لها لبن، وقد اختلف في قوله، عَلَيْهِ السَّلَامُ: «لا فرع ولا عتيرة»، فقيل: إن ذلك نهي عنها فلا بر في فعلها، وقيل: إن ذلك إنما هو نسخ للوجوب وفعل ذلك بر لمن شاء أن يفعله، واحتج من ذهب إلى هذا بما روي عن الحارث بن عمر السهمي أنه لقي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حجة الوداع، قال: «فقلت يا رسول الله العتائر والفرائع؟ قال: من شاء أفرع ومن شاء لم يفرع، ومن شاء عتر ومن شاء لم يعتر»، وبما روي عن لقيط بن عامر من حديث وكيع أنه سأل النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ قال: «إنا كنا نذبح في رجب ذبائح فنطعم من جاءنا، فقال النبي، عَلَيْهِ السَّلَامُ لا بأس»، قال وكيع: لا أتركها أبدا.
قال محمد بن أحمد: العتيرة هي الرجبية، وقال الشافعي كقول مالك إن العتيرة هي الرجبية، والفرع شيء كان أهل الجاهلية يطلبون به البركة في أموالهم بأن يذبح الرجل منهم بكر ناقته أو شاته ولا يعدوه رجاء البركة فيما يأتي بعده، ويرد قول محمد بن الحسن قوله عَلَيْهِ السَّلَامُ لا فرع ولا عتيرة.

.مسألة قوله تعالى وما أكل السبع إلا ما ذكيتم:

قال: وسئل مالك رَحِمَهُ اللَّهُ عن قَوْله تَعَالَى: {وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ} [المائدة: 3] الآية، فقال: من ذلك ما يؤكل ومنه ما لا يؤكل، إذا سقطت فأصابها شيء فشق جوفها فلا أرى أن تؤكل، وإذا ضرب وسطها فانقطعت بأي شيء تذكى أرأسها ما أرى أن تؤكل، قيل: أفرأيت قوله تبارك وتعالى: {وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ} [المائدة: 3] الآية فقال: مما فيه ذكاة.
قال محمد بن رشد: وقع في بعض الكتب فشق حشوتها مكان فشق جوفها، والجواب صحيح على الروايتين جميعا؛ لأنه إذا شق حشوتها فلا تذكى ولا تؤكل باتفاق إلا على دليل رواية أبي زيد عن ابن القاسم في كتاب الديات؛ لأن ذلك مثل، وإذا شق جوفها ولم يشق حشوتها فلا تذكى ولا تؤكل على مذهبه في رواية أشهب عنه، وقد مضى القول على ذلك في المسألة التي قبل هذه المسألة.

.مسألة فأرة ماتت في جرة زيت فيها خمس مائة رطل فباعه صاحبه:

وسئل مالك عن فأرة ماتت في جرة زيت فيها خمس مائة رطل فباعه صاحبه من رجل واشترط عليه أنه يبيعه إياه يدهن به الدلاء وصلاة الزرانيق والقنوات ولا يبيع منه شيئا، وإن كان لا يجوز بيعه فأخبرنا ندركه من قريب، فقال: لا والله ما أرى أن يباع ولا يؤكل ثمنه، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها»، قيل له: إن المشتري يقول أنا اشتريته بما اشترطت ولست أريد أكله، فمر أنت البائع بما بدا لك، فقال لا والله ما حرم على البائع فلا يحل للمبتاع، ثم قال مالك بعد أن ذهب السائل: ولقد ندمت بأن لا أكون قد سألته بكم باعه، فإن هؤلاء يوفون بما يشترطون، فإن كان هذا إنما اشتراه لما ذكره فإنما يشتريه بأقل من نصف ثمنه، ولكن هم يقولون مثل هذا ويشترونه بأقصى ثمنه أو قريب منه ثم يبيعونه ولا يوفون بما يشترطون.
قال محمد بن رشد: قوله في آخر المسألة فإن هؤلاء لا يوفون بما يشترطون ولكنهم يقولون ذلك ثم يشترونه بأقصى ثمنه أو قريب منه ولا يوفون بما يشترطون يدل على أنه إنما لم يجز بيعه على الشرط مخافة ألا يفي المشتري بما شرط عليه من ذلك، ولو أمن من ذلك لأجازه فلما لم يأمن من ذلك لم يفسخ بيعه حماية للذرائع، لا لأن بيعه حرام لذاته كالخمر والخنزير والميتة، فعلى هذا لو باعه ممن يعلم ثقته ويأمن من أن يغش به لجاز له البيع وساغ له الثمن ولم يحرم عليه، وهذا قول ابن وهب وجماعة من السلف، ودليل ما في رسم الشجرة من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة في مسألة الصابون. وقد روي عن أبي موسى الأشعري أنه أجاز بيعه من غير المسلمين، والمشهور عن مالك المعلوم من مذهبه في المدونة وغيرها أن بيعه لا يجوز، وقد جعله في رسم اغتسل من سماع ابن القاسم قبل هذا كالميتة في أن بيعه لا يجوز، والأظهر في القياس أن بيعه جائز ممن لا يغش به إذا بين؛ لأن تنجسه بسقوط النجاسة فيه لا يسقط ملكه عنه ولا يذهب جملة المنافع منه ولا يجوز أن يتلف عليه، فجائز له أن يبيعه ممن يصرفه فيما كان له هو أن يصرفه فيه، وهذا في الزيت على مذهب من لا يجيز غسله، وأما على مذهب من يجيز غسله، وقد روي ذلك عن مالك على ما قد ذكرناه في سماع أصبغ من كتاب فسبيله في البيع سبيل الثوب النجس.

.مسألة أكل ما عدا السمك من دواب البحر:

وسئل مالك عن اللبس الذي يقال له ترس الماء ربما أخذ ميتا وهو إذا أخذ حيا أقام أياما حتى يذبح أتراه من صيد البحر؟ فقال: ما أراه إلا من صيد البحر، إذا كان لا بأس على المحرم في صيده، فما بأسه يؤكل ميتا؟ وما أرى ذبحهم إياه إلا يستعجلون بذلك موته، قال عز وجل: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} [المائدة: 96] الآية، فما أراه إلا من صيد البحر، وما أرى من ذبحه إلا يستطيل حياته، ومن الطير فيما بلغني من يطيل المكث في الماء ويعيش فيه وهو من صيد البر، قيل له: أرأيت إذا أخذ حيا أترى بأسا أن يذبح؟ قال: ما أرى بذلك بأسا إلا أن يكون ذلك يشكل أمره على الناس، فقلت: لقد شكك الناس فيه لما رأوا من ذبحه، فقال لي: هو كذلك، قيل له: إنه تطول حياته فأحب إليك أن يذبح أم يقتل؟ قال: ما أكره الذبح إلا لما يدخل على الناس فيه من الشك فإذا لم يكن ذلك فلا بأس بذبحه.
قال محمد بن رشد: اختلف أهل العلم في أكل ما عدا السمك من دواب البحر، فذهب مالك إلى أنها كالسمك في جواز أكلها بغير ذكاة وجدت طافية أو سلم على الماء أو حسر عنها الماء فماتت أو أخذت حية وإن كانت تعيش في البر فلا يحتاج فيها عنده إلى ذكاة الضفدع ودرس الماء وغيره إلا أنه كره خنزير الماء، وقال: أنتم تقولون خنزير، وقال الليث بن سعد: لا يؤكل خنزير الماء ولا إنسان الماء، ومن أهل العلم من فرق بينهما وبين السمك فلم يجز أكلها على حال، ومنهم من لم يجز أكلها إلا بذكاة، ومنهم من أوجب الذكاة فيما كان منها يعيش في البر، وهو قول ابن دينار من أصحاب مالك في المدينة لا أرى أن تؤكل ترس الماء إلا بذكاة لأنه يكون في البر والبحر، وقد بلغني أنه لا يكون بيضه إلا في البر، فإذا كان يعيش في البر والبحر فلا يؤكل حتى يذكى.
وقال عيسى عن ابن القاسم: كل ما كان مستقره ومأواه الماء فهو يؤكل بغير ذكاة وإن كان يرعى في البر وما كان مأواه ومستقره في البر فلا يؤكل بغير ذكاة وإن كان يعيش في الماء، فهذه الرواية عن ابن القاسم تفسر مذهب مالك واعتبار مالك في جواز أكل كل ما يعيش في البر من دواب البحر بغير ذكاة، بأن المحرم يصيده صحيح؛ لأنه إنما جاز له صيده من أجل أنه مذكى لا يحتاج إلى تذكية. فمن قال: لا يؤكل إلا بذكاة وأجاز للمحرم صيده فقد تناقض، واتفق أهل العلم كلهم في جواز أكل سمك البحر، وهو كل ما له سفتق من الحوت إلا الطافي منه فإن منهم من لم يجز أكله، وقد روي عن النبي عَلَيْهِ السَّلَامُ من رواية جابر أنه قال: «ما ألقى البحر أو حسر عنه فكلوه وما طفا فلا تأكلوه». ولم يصح عن مالك هذا الحديث فأجاز أكل الطافي وغيره، وقد سأل عبد الرحمن بن أبي هريرة عبد الله بن عمر عما لفظ به البحر فنهاه عن أكله ثم انقلب فدعا بالمصحف فقرأ: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} [المائدة: 96].
فأرسل إلى عبد الرحمن بن أبي هريرة أنه لا بأس بأكله، وتأول من لم يجز أكله بأن طعام البحر ملحه لا ما لفظه أو مات فيه، وبالله التوفيق.